ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

50

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

فصل في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ لا ريب أن اللّه وصف نفسه بصفات ، وسمى نفسه بأسماء ، أخبر عن نفسه بأفعال ، وأخبر أنه يحب ويكره ، ويمقت ويرضى ، ويغضب ، ويسخط ، ويجيء ويأتي ، وينزل إلى السماء الدنيا ، وأنه استوى على عرشه ، وأن له علما ، وحياة ، وقدرة ، وإرادة ، وسمعا ، وبصرا ، ووجها ، وأن له يدين ، وأنه فوق عباده ، وأن الملائكة تعرج إليه ، وتنزل بالأمر من عنده ، وأنه قريب ، وأنه مع المحسنين ، ومع الصابرين ، ومع المتقين ، وأن السماوات مطويات بيمينه . ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك ، وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك . فيقال للمتأول : تتأول هذا كله على خلاف ظاهره ، أم تفسر الجميع على ظاهره وحقيقته ، أم تفرق بين بعض ذلك وبعضه ؟ فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا صراحا ، وجحدا لربوبيته . وهذا مذهب الدهرية الذين لا يثبتون للعالم صانعا ( فإن قلت ) أثبت للعالم صانعا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه . وحيث وصف بما يقع على المخلوق تأولته ( قيل له ) فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه ، هل تدل على معاني ثابتة هي حق في نفسها أو لا تدل ؟ فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل . وإن أثبت دلالتها على معنى هي حق في نفسها ثابت ، قيل لك : فما الذي سوغ لك تأويل بعضها دون بعض ؟ وما الفرق بين ما أثبتها ونفيتها من جهة السمع أو العقل ، ودلالة النصوص على أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما كدلالتها على أن له محبة ورحمة وغضبا ورضا وفرحا وضحكا ووجها ويدين . فدلالة النصوص على ذلك سواء ، فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه ، وأوّلتها نفس الإرادة ؟ .